جلال الدين السيوطي

302

همع الهوامع شرح جمع الجوامع في النحو

( و ) قال ( ابن مالك : هو لغة ) لبعض العرب ، ( و ) قال ( أبو حيان : ضرورة لابتداء الغاية مطلقا ) أي : مكانا وزمانا وغيرهما نحو : مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [ الإسراء : 1 ] ، أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ [ التوبة : 108 ] ، ( مطرنا من الجمعة إلى الجمعة ) ، خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ [ الحج : 5 ] الآية ، « من محمد رسول اللّه إلى هرقل » « 1 » . ( وخصها البصرية ) إلا الأخفش والمبرد وابن درستويه ( بالمكان ) ، وأنكروا ورودها للزمان ، قال ابن مالك : وغير مذهبهم هو الصحيح ؛ لصحة السماع بذلك ، وكذا قال أبو حيان : لكثرة ذلك في كلام العرب نظما ونثرا ، وتأويل ما كثر وجوده ليس بجيد . وقال الرضي : المقصود من معنى الابتداء في ( من ) أن يكون الفعل المعدى بها شيئا ممتدا كالسير والمشي ، ويكون المجرور بمن الشيء الذي منه ابتدأ ذلك الفعل نحو : سرت من البصرة ، أو يكون الفعل أصلا للشيء الممتد نحو : تبرأت من فلان ، وخرجت من الدار ؛ لأن الخروج ليس ممتدا لحصوله بالانفصال ولو بأقل خطوة ، وليس ( التأسيس ) في الآية حدثا ممتدا ولا أصلا له ، بل هو حدث واقع فيما بعد ( من ) فهي بمعنى ( في ) ، ثم قال : والظاهر مذهب الكوفيين ؛ إذ لا منع من قولك : نمت من أول الليل إلى آخره ، وهو كثير الاستعمال ، قال : وضابطها أن يحسن في مقابلتها ( إلى ) ، أو ما يفيد فائدتها نحو : أعوذ بالله منك ؛ إذ المعنى ألتجئ إليه ، فالباء أفادت معنى الانتهاء . ( والتبعيض ) وهي التي تسد ( بعض ) مسدها نحو : مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ [ البقرة : 253 ] ، وقرأ ابن مسعود : حتى تنفقوا بعض ما تحبون [ آل عمران : 92 ] ، ( والتبيين ) للجنس وكثيرا ما يقع بعد ( ما ) و ( مهما ) ، وهما بها أولى ؛ لإفراط إبهامها نحو : ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ [ فاطر : 2 ] ، ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها [ البقرة : 106 ] ، مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ [ الأعراف : 132 ] ، ومن وقوعها بعد غيرهما وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ [ الكهف : 31 ] ، فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ [ الحج : 30 ] . ( وأنكرهما طائفة ) فمن أنكر التبعيض المبرد والأخفش الصغير وابن السراج والجرجاني والزمخشري ، وقالوا : هي للابتداء ، وأنكر الثاني أكثر المغاربة وقالوا في الآية : هي للتبعيض ، وفي الثانية : للابتداء ، والمعنى فاجتنبوا من الرجس والأوثان وهو

--> ( 1 ) أخرجه البخاري ، كتاب الجهاد والسير ، باب دعاء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم الناس ( 2941 ) ، ومسلم ، كتاب الجهاد ، باب كتاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى هرقل ( 1773 ) .